مراجعة كتب

هل لو علمت تاريخ الدعوة إلى العامية سيرق قلبك للفصحى؟ مراجعة كتاب تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر لنفوسة زكريا سعيد

إن مناقشة دعوة اعتماد العربية العامية وإقصاء العربية الفصحى لم يعد ذا وقع كما كان قبل عقد أو عقدين من الآن، ففي زماننا أصبحت العربية في خطر سواء العامية أو الفصحى مع هجرات الشعوب العربية خارج بلدانها واندماجهم في بلدان غير ناطقة للعربية، ويضاف لهم المتطلعون الحالمون للهجرة في أي لحظة وهم يعدون العدة لذلك فيعلّموا أطفالهم الإنكليزية مع حليب أمهاتهم ليكونوا جاهزين عند النداء أو على الأقل ليكونوا متقنين مهرة في لغة العصر، وليس في كلامي ما يشكك في أهمية لغة العصر مهما كانت فهي لغة أهم العلوم الحديثة، ولكن يَجِبُ ألاّ تكون بحال من الأحوال على حساب اللغة الأصلية.  سيظل التهاون بالعربية أو بالفصحى تحديداً دليلاً على فقدان الهوية وعدم تقدير أهمية العربية وضعفاً لدى أبنائها. من الملاحظ أيضاً أن المؤيدين للعامية غالبيتهم قِطْريين وعلمانيين لا يهمهم حفاظ على تراث ولا على قرآن ولا على وحدة (أو ما تسمى الجامعة العربية والإسلامية). فالحفاظ على لغة القرآن جزء من عقيدة المسلمين وأي مساس بلغة القرآن هو مساس بالقرآن ذاته وقطعاًً للصلة مع النص القرآني. ينبغي على العاقل وإن لم يكن مهتماً لا بقرآن ولا بتراث ديني، أن يهتم بعقود من التاريخ والعلوم والأدب المدونة بلغة فصحى، وإعدام الفصحى يعني انقطاع بائن عن كل هذه السنين إلا ما ينقله الناقلون في لغة جديدة ابتدعوها.

غلاف كتاب تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر لنفوسة زكريا سعيد

إن كتاب مراجعة اليوم هو من تأليف الدكتورة نفوسة زكريا إصدار عام 1964 وهو رسالة دكتوراه. لا أحسب نفسي سأصل لهذا الكتاب لولى توصية من المهندس أيمن عبد الرحيم (فك الله أسره)، فقد ذكر هذا الكتاب خلال دورة اسمها دورة  الوعي اللغوي وهي سلسلة دروس قيمة متسلسلة عن اللغات عموماً ودورها في الأمم ويخصص المهندس أيمن الجزء الأكبر عن اللغة العربية ويتحدث عن تاريخ صراع الشعوب مع المستعمرين في الجانب اللغوي ومن هنا أوصى المهندس بكتاب نفوسة زكريا سعيد. بعيداً عن موضوع الكتاب أنصح بالاستماع لدورة المهندس أيمن فما أنفعها من دروس، وما أكثر مزاح المهندس اللطيف في صُلْب الموضوع، فكثيراً ما كنت أحبس ضحكي وأنا أستمع لدروسه وأنا في طريقي للعمل.

أضمن لمن سيقرأ كتاب نفوسة زكريا سعيد وحضر دورة الوعي اللغوي للمهندس أيمن، أن يغير رأيه عن اللغة عموماً وحجم تقصيرنا أمام اللغة العربية. إن اطلاع أي منا على الكتاب وسلسلة الدروس سيفكك الكثير من الأسئلة حول عَلاقة العامية والعربية والحرب التي نسمع عنها دائماً بين دعاة العامية وداعة الحفاظ على الفصحى. سأحاول في هذه المراجعة ذكر الكثير من المعلومات التي وردت في الكتاب مع إعادة ترتيبها لكي تكون مراجعة بهيئة مقال.

غياب الوعي اللغوي في المناهج وغياب شرح العَلاقة بين اللغة العامية والفصحى

أذكر في مناهج اللغة العربية لدينا في سوريا، الكثير من المواضيع الغنية عن اللغة العربية وفنونها وكان دراسة تاريخ الأدب العربي جزء هام في المرحلة الثانوية إذ يطالع الطالب تاريخ الأدب بدءاً من الشعر الجاهلي انتهاءً بالشعر العمودي الحديث وكذلك تاريخ أدب القصة وفيه كثير من الأعمال الأدبية المهمة، ولكن غياب فصول عن تاريخ تطور اللغة العربية وبيان ألسنة العرب المختلفة ومكانتها من لسان قريش (اللسان السائد والمعتمد في القرآن الكريم) هو مدعاة لوجود أسئلة لدى الطلاب حول العَلاقة بين العامية والفصحى سواءً سعوا للإجابة عنها أو لا، فأين اللسان العامي القُطري من اللسان العربي الفصيح ولماذا هذا التشتت في اللهجات والبون بينها وبين اللغة الفصحى. حريّ لمجموعة دروس منتقاة أن تنشئ جيلاً أكثر اتصالاً باللغة العربية السليمة، وأكثر معرفة لسبب وجود اللغة العامية، وبذلك سيكون تعامله مع الوضع الحالي تعامل سليم قائم على معرفة المسببات وستكون الأجيال اكثر تصالحاً مع واقعها ولغتها عوضاً عن أجيال تحارب العربية الفصحى لجهلها بها وإن كانت تدعي العكس. 

هناك من تشدد في التعامل مع العامية على أنها جهالة بحتة فعلّم أولاده اللسان الفصيح فقط، وتناسى أن العامية هي لغة القوم إن شئنا أم أبينا، والسبيل إلى تحسين الحال هو التركيز على تعليم الأولاد الملكة اللغوية دون غلوِّ في منع العامية تماماً، فالعامية كما سنرى لها نشأة لا تقل عن ألف سنة، فردها للسان القويم ليس مهمة سهلة، وفي الكتاب أراء أدباء ومفكرين كبار عن هذا الموضوع. ومن دعاة تعليم أطفالنا الملكة اللغوية الفصيحة الدكتور الفلسطيني السوري  عبد الله دنان رحمه الله صاحب “نظرية تعليم اللغة العربية بالفطرة والممارسة تطبيقاتها وانتشارها” ويتحدث الدكتور في ورقة بحثية عن تجربته في إنشاء روضة أطفال في سوريا تعلم الأطفال المحادثة باللغة الفصحى عبر استخدامها لغة وحيدة داخل المدرسة ويعود الطفل للغة العامية خارج المدرسة، ويرفق الدكتور تجارِب أشرف عليها في دول عربية أخرى وللدكتور ريادة في هذه الطريقة التي تنشئ جيلاً يفهم الفصحى وقادر على استخدامها وبنفس الوقت ليس منقطع عن اللغة العامية.

لم تكن العامية تزاحم الفصحى قبل دعوات الأجانب 

يثبت كتاب الدكتورة نفوسة أن استعمال العامية حتى في الكتابة في بعض المجلات السياسية الهزلية المصرية قديم ولم تكن العامية تزاحم الفصحى وكانتا متعايشتين، فاللغة العامية لغة السوق والمعاش واللغة الفصحى لغة القرآن والعلوم والأدب إلى أن اقتحم أجانب حياتنا -جَلبَهم الاحتلال البريطاني لمصر – وبدأوا دعوات لاعتماد العامية فقط وتهميش الفصحى وحتى إماتتها، وتبع ذلك دعوات لاستبدال الأحرف العربية باللاتينية، وتثبت الكاتبة ذلك بتواريخ الكتب والمقالات التي نٌشرت وما تبعها من أناس اعتنقوا هذه الدعوات من العرب ولم يكونوا أصحابها الأوائل.   

العامية هي نتاج اختلاط طويل بين العرب والعجم نتيجة الفتوحات الإسلامية، ودخول أعداد كبيرة من العجم في دين الإسلام فتوسعت دولة الإسلام من الجزيرة العربية وانتشرت القبائل العربية واختلط العربي والأعجمي. لا شك أن اللغة العربية من أدق وإن لم تكن اللغة الأدق في التعبير ومن ناحية الإعراب والأساليب. ولأنها لغة عالية الانضباط يمكن اللحن فيها حتى من ابن اللغة نفسه فكيف بالأعجمي ومع الاختلاط بأعداد كبيرة ولمدة طويلة بدأت العامية بالتشكل حتى استحوذت على لغة تخاطبنا اليومية. ومن ما ورد في الكتاب ما ذكره ابن خلدون في مقدمته -وهي في القرن الثامن الهجري إي قبل 700 عام تقريباً- من وجود لغة عامية في زمانهم لا وجود فيها لحركات الإعراب ومسكّنة الأواخر وفصّل في أسباب نشأتها وخصائصها ولمن أراد الاستزادة فهذا النص مذكور في الجزء الأول من المقدمة الصفحة ٥٥٧. الخلاصة أن العامية قد تشكلت عبر مئات السنين وهي نتيجة ربما طبيعية بين تردي المعارف لدى الشعوب واختلاط العربي بالأعجمي.

تقصيرنا في الاعتراض على إهمال العربية مما سمح بتمادي الحكومات

نحن مقصرون جداً في إظهار اعتراضنا على حال العربية في مناهجنا التعليمية وفي قلة الاهتمام الرسمي بها. وإن وضع اللوم على الحكومات محق، لكنّما ما كانت الحكومات أن ترضى التهاون بالعربية لولى قلة من ينادي بتصحيح حال تعليم اللغة العربية. في كتاب الماجريات لإبراهيم السكران (فك الله أسره) تحدث مطولاً عن دور الشعوب والأفراد في تغيير سياسات حكامها دون ثورات تهلك الحرث والنسل، فمهما كانت السلطة استبدادية وسيئة، فهي ستتنازل وتراضي الشعوب عندما يظهروا علانية امتعاضهم في قضية ما، وهذا كله ليثبتوا أركان حكمهم.  إن خفوت صوت الجماهير عن المساس الدائم بمقام العربية وتقصيرنا في إظهار الامتعاض يزيد من التمادي في إهمال وخنق العربية.

وكما سيرد، فإن كثير من علماء اللغة دعوا إلى رفع سوية العامة حتى تتسامى لغتهم اليومية وليس بأن نُنزل سوية اللغة حتى تتماشى معهم، فعند ارتفاع مستوى ثقافة الأمة وتعليمها سينعكس ذلك على لغتها، فكثيرة هي المرات التي يخبر بها عامي غير متعلم لجامعي مثقف أنه يتكلم بكلمات غريبة فصحى لا يفهمها حتى وإن لم يتكلف ذلك المتعلّم الكلام، وهذا خير دليل أن للتعليم أثر على رفع سوية عاميتنا. 

كان اللحن عيباً عند العرب 

كان قديماً اللحن عيباً وكبيرة لدى العرب فقد ورد حديثاً وإن لم يصح عن رجل لحنَ أمام الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: “أرشدو أخاكم فقد ضل” وإن كان هذا الحديث لم يصح فإنه ورد في كتب الأوائل وهذا دليل على النظرة لمن يلحن في ذلك الوقت. وأوردت الكاتبة في بحثها قولاً عن الملك الأموي عبد الملك قوله “اللحن في منطق الشريف أقبح من أثر الجدري في الوجه” وفي خبر آخر ورد أن كثير بن أبي كثير البصري أراد الحجاج إكراهه على عمل يتولاه، فلما لم يجد سبيلاً للاعتذار، فتعمّد اللحن في قوله ليتخلص من مهمة الحجاج. واللحن هو لبنة العامية الأولى وظهرت في وقت متقدم جداً، ودليل ذلك كتب المتقدمين التي ظهرت للتنبيه من اللحن  ومنها كتاب “ما تلحن به العوام” للكسائي عام 189هـ وكتاب “ما تلحن فيه العامة” للأصمعي عام 321 هـ، وكتاب “البهاء فيما تلحن به العامة” عام 207 هـ، وكتاب “درة الغواص في أوهام الخواص” للإمام أبي القاسم الحريري عام 517 هـ وقد أوردت د. نفوسة كتب أخرى في البحث.  

مما ورد في مقدمة  كتاب العرنجية لأحمد الغامدي رصده للحن في وقت مبكر كما رُوي من أخبار الملك الأموي الوليد بن عبد الملك قوله في خُطْبة (يا ليتُها كانت القاضية) بضم التاء وعمر بن عبد العزيز تحت المنبر فقال مستنكراً لحنه: (يا ليتها كانت عليك وأرحتنا منك). وأورد أحمد الغامدي في كتابه شعراً أندلسياً سنة 555هـ لبكر بن قزمان ظهر فيه العامية وفيه:

إذا شمر كمامو يرميها ترى البوري يرشق لذاك الجيها 
وليس مرادو أن يقع فيها إلا أن يقبل بدياتو

العلاقة بين العامية والفصحى

إن من أسباب نشأة العامية الاختلاف الذي كان بين ألسنة قبائل العرب وبين لسان قريش المهيمن، وهذه القبائل تفرقت بين الأمصار وسرى اللحن الذي نتج عن اختلاط العرب بالمسلمين الجدد من القوميات المختلفة ذوي الألسنة الأعجمية. فالعامية هي نتيجة مئات السنين وهي نسخة مشوهة عن العربية الأصلية سواءً عربية قريش أو ألسنة العرب الأخرى. فكيف لمسخ أن نستبدل به بهاء ونقاوة العربية الأولى، وإن كان مالنا من حيلة في تقويم العامية، فإن رفع مستوى العامّة سيرفع مستوى العامية لا محالة وليس الحل بالاستغناء عن الفصحى التي فيها تاريخنا وتراثنا ولغة ديننا، ولنا في اللغة التركية خير شاهد حيث انقطعت الأمة التركية عن كامل تاريخها عندما استبدلت الحرف العربي بالحرف اللاتيني ولا يمكن لعامّة الأتراك قراءة ما كُتب قبل قرن فقط، بينما يستطيع أي عربي ذو حظ ولو بسيط من العلم قراءة القرآن وهو ما نزل من 14 قرن وقراءة معظم الكتب التي كتبت خلال القرون الماضية وإن لم يفهم المعنى بالكليّة. 

لا شك أن العامية أخسرتنا الملكة اللغوية الفصيحة، وما هو أكثر خطورة هو إزاحة بعض المعاني وتحريفها حتى تتعارض مع كلمات القرآن مما يؤثر على فهمنا وقد ذكر ذلك المهندس أيمن في دروسه الوعي اللغوي ، ومن أمثلة ذلك “وجاء بعض السيارة” و أيضاً “وتلك عصاي أهش بها على غنمي”، فأهش يفهمها الناس على أنها التلويح بالعصا للدابة وإنما هنا هي ضرب الشجرة لتتساقط الأوراق فتأكل منها الدواب والسيارة اليوم تدل على العربة وليس على قوم يسيرون فُسمّوا سيّارة. ومما ورد في الكتاب من أمثلة تضارب كلمات الفصحى والعامية: (اختشى) وتستعمل بمعنى خجل وهي لغة خاف، و(وحش) بمعنى رديء وهي لغة من الوحشة، و(شاطر) بمعنى الماهر وإنما تعني من أعيى أهله خبثاً. 

قد ورد في دراسة الدكتورة نفوسة ذكر لجهود بعض علماء اللغة في توضيح الأصول المشتركة بين العامية وألسنة العرب الأصلية ومنها كتاب (مميزات لغات العرب وتخريج ما يمكن من لغات العامية عليها وفائدة علم التاريخ من ذلك) لحفني ناصيف 1886 ودرس فيه لهجات مصر ورد خصائصها لألسنة قبائل العرب التي استوطنت مصر، ورد مثلاً طريقة نطق القاف في مصر بين المدن المصرية بناءً على من استوطنها من قبائل العرب. وفي الجدول أدناه أمثلة عن إبدالات في النطق العامي رُدت للسان قبائل العرب وردت في كتاب حفني ناصيف عن العامية المصرية: 

نوع الإبدالمثال الإبدالمن غير إبدالأي لهجة/لسان العرب
ابدال الألف عيناأسأل اللهأسعل الله لغة تميم وقيس 
ابدال الياء الواقعة بعد العين جيماًالراعج خرج معج الراعي خرج معك لغة قضاعة وتسمى عجعحة قضاعة
ابدال الياء جيماًحجتجحجتيلغة فقيم
إبدال الحاء عيناًاللعم الأعمر أعسن من اللعم الأبيضاللحم الأحمر أحسن من اللحم الأبيضلغة هذيل وتسمى فحفحة هذيل
إبدال لام التعريف ميماًطاب امجو امبارحطاب الجوالبارحلغة حمير وتسمى طمطمانية حمير
إبدال كاف المؤنث شيناً عند الوقف منش وعليشمنكِ وعليكِلغة ربيعة وتسمى كشكشة ربيعة
إبدال كاف المذكر شيناً عند الوقفمنس وعليسمنكَ وعليكَلغة ربيعة ومضر وتسمة كسكسة ربيعة
إبدال الكاف شيناً لبيش اللهم لبيشلبيك اللهم لبيكلغة اليمن وتسمى شنشنة اليمن
ابدال السين المهملة تاء فوقيّة النات بالنات
تعلب وتعبان
الناس بالناس ثعلب وثعبان (بعد تحريف الثاء سيناً)لغة اليمن 
إبدال العين الساكنة نوناً إذا جاوزت الطاءأنطيناكأعطيناكلغة سعد بن أبي بكر وهزيل ويسمى الاستنطاء 
إبدال الميم باء والباء ميمأقعد بكانكأقعد مكانكلغة مازن
ابدال التاء هاءً في الوقفدفن البناهدفن البناتلغة طي

نشأة دعوات استبدال الفصحى بالعامية من الأجانب على الرغم من استخدام العامية بشكل محدود قبل تلك الدعوات

كما قلنا في السابق لم تزاحم العامية الفصحى وكل منهما في مجال، وتثبت الدكتورة نفوسة في بحثها أن الدعوة للعامية كبديل لم يوجد قبل دعوة الأجانب ويستثنى منه دعوة رفاعة رافع الطهطاوي عام 1868م حيث دعا للتصنيف بالعامية في أماكن محددة تتعلق بمصالح العامة مع حرصه الشديد على الفصحى حيث قال في كتاب “أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل” عام 1868م: “واللسان العربي يُحتاج إليه في فهم الكتاب والسنة وكتب الشريعة المطهرة وفهم مداركها واستنباطها على موجب قواعد ذلك اللسان، ولا شك أن وحدة اللسان ووحدة الشريعة المطهرة يقضيان بوجوب التفاهم بين أهلها في سائر الممالك الإسلامية … نعم إن اللغة المتداولة في بلدة من البلاد، المسماة باللغة الدارجة التي يقع بها التفاهم في المعاملات السائرة لا مانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ تضبطها على حسب الإمكان تربطها ليتعارفها أهل الإقليم حيث نفعها بالنسبة إليهم عميم، وتصنف فيها كتب المنافع العمومية والمصالح البلدية.”

ويضاف لها بعض الكتابات الساخرة السياسية مثل مجلة أبو نظارة وكان عددها الأول 1878م ومع ذلك كانت المجلة تستخدم الفصحى والعامية معاً وبل استخدامهم للعامية في رسائلهم السياسية مبدعة ومنها قدح في الخديوي اسماعيل، حيث ورد: 

(وكفاك أنه لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، ولا يوجد في وقت الصلاة إلا جنباً، وفي رمضان إلا مفطراً. نعم يصوم ولكن عن الخيرات، ويستقبل الفجور متلطخاً بنجاسة الفحشاء. فاجر يقتات بالكبائر، ويتفكه بالصغائر. يروح من مولاه شاكياً، ولشيطانه شاكراً، فكأنه عاهد إبليس فلن يحنث له عهداً، ووعده أن يجد عنده كل معصية فلم يخلف له وعدا. فرعون بالنسبة إليه حاكم عادل، وأبو جهل إن قيس به إمام فاضل.)  ومن المجلات السياسية الناطقة بالعامية أيضاً مجلة الغزالة التي استخدمت العامية للوعي السياسي. فالخلاصة أننا نجد فعلاً من كتب بالعامية قبل دعوات الأجانب مع حرص شديد على عدم النيل من الفصحى ودون الانتصار للعامية على حسابها، وكان هدفهم خدمة العامة وتثقيفهم سياسياً وكان ضعف الثقافة وانتشار الأمية سبباً في اتخاذ العامية لغة للكتابة. 

مما يزيل العجب من منشأ فكرة استبدال الفصحى بالعامية في كل الميادين هي معرفة تاريخ الدعوات الأجنبية ومصادرها وأساليبها. بدايات اهتمامهم بالعامية كانت في مدارسهم والجامعات، ففي إيطالياً دُرست العامية في مدرسة نابولي للدروس الشرقية عام 1727م ومدرسة القناصل في فينا عام 1745م وسميت بهذا الاسم لأنها تُدرّس القناصل لغات الشرق ولهجاتهم العامية وكتب أحد مدرسيها وهو حسن المصري كتاب “أحسن النخب في معرفة لسان العرب” عام 1869م وفي فرنسا كانت مدرسة باريس للغات الشرقية الحية عام 1759م وألف فيها المدرس ميخائل الصباغ السوري كتابه عن العامية المصرية والشامية باسم “الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج” سنة 1886م وكذلك مدرسة في روسياً عام 1814م حيث عمل فيها الشيخ محمد عياد الطنطاوي وألف كتاب عن العامية المصرية بعنوان “أحسن النخب في معرفة لسان العرب” عام 1848م. وكذلك في انجلترا حيث ألف أحد المدرسين العرب أحمد فارس الشدياق كتاب “أصول اللغة العربية المحكية” عام 1856م، وبهذا نرى أن اهتمام الغرب بتدريس اللغات العامية أنتج عنه كتب عن اللغة العامية، وعلى الرغم أنه من الطبيعي أن تُنتج المدارس والجامعات كتب وأبحاث عما تشتغل به، إلا الحاجة الغربية لتعلّم العامية ساهمت في صك قواعد للعامية في هذه الكتب وهي بدايات الدعوة لاعتبار العامية لغة ذات أركان وقد صرحوا بذلك بدعاوي مختلفة كما سنرى. بعد مصنفات العرب عن العامية تلاحقت تصنيفات قواعد اللغات العامية للأجانب في بدايات القرن العشرين كما ذُكر في الكتاب.

ولم يتحرّج البعض ممن وثقوا قواعد العاميات بانبهارهم بالأجانب ونزعتهم لاعتماد العامية محل الفصحى كما فعل ميخائل الصباغ السوري في كتابه عن العامية المصرية والشامية باسم “الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج” سنة 1886م حتى وصلت المبالغة والإنفتان حد وصف أحد الفرنسيين علماء اللغات بأنه بذل ما لم يبذله سيبويه ذاته فقال: “إن حضرة مولانا صاحب المقام السامي والسؤدد المتسامي صاحب الشرف الباذخ والمجد الراسخ، عمدة المدققين المتكلم في اللغات العربية والعجمية على اختلافها وائتلافها أحد علماء فرنسا المكرم وقاضي قضاتها المعظم مولانا الأستاذ العلامة دي ساسى قد أودع أجروميته من نحو العربية وصرفها ما قصر سيبويه والفراء عن أمثالها في إيضاح معانيها ودقة أقوالها وحقيقة أمثالها” وأترك للقارئ تقدير المبالغة البائنة في ما تقدم من كلام.

أهم أربع كتب شكلت أساس دعوة الأجانب لاعتماد العامية 

صنفت الباحثة في كتابها أربع كتب أساسية كانت أساس الدعوة الأجنبية لنبذ الفصحى واتخاذ العامية محلها وهي: 

1- كتاب قواعد العربية العامية في مصر عام 1880م لكاتبه ولهلم سبيتا.

2- كتاب اللهجة العربية الحديثة في مصر عام 1890م لكاتبه كارل فولرس.

3- كتاب العربية المحكية في مصر عام 1901م لكاتبه لسلدن ولمر.

4- كتاب المقتضب في عربية مصر عام 1926م لكاتبه وباول.

اشتركت الكتب الأربعة في الدعوة إلى اعتماد العامية ونبذ الفصحى ففي كتاب ( العربية المحكية في مصر) عام 1901 دعى فيه مؤلفه ولمور على الاقتصار على العامية في الكتابة والتحدث واقترح استبدال الحرف العربي باللاتيني واستنبط قواعد للعامية حتى تصلح للكتابة بها واقترح جعلها إلزامية لمدة سنتين في التعليم. أشادت بهذا الكتاب في ذلك الوقت مجلة المقتطف وقيل في المجلة عن الكتاب  عبارة عجيبة “إنه (اي ولمور) تعب في ضبط لغة القاهرة تعب سيبويه في ضبط لغات العرب ووضع كتاباً من أربعمئة صفحة مشحوناً بالفرائد” وما أدري لماذا هذه المبالغة والنفاق، وبأي حق يقارن مع سيباويه. ويجدر بالذكر أن المؤلفين العرب الأوائل لقواعد العامية لم يدعوا لاستبدال الفصحى وأول من دعى لذلك هم الأجانب. يعد ولهلم سبيتا صاحب كتاب قواعد العربية العامية في مصر عام 1880م أول من كتب بالعامية المصرية من الأجانب ودعى فيه إلى كتابة الأدب بالعامية ووضع اقتراح استبدال الحروب باللاتينية.

من المفارقات ما ذكره ولمر في كتابه العربية المحكية في مصر عام 1901م في المقدمة أن الكتاب كتبه وهو في رحلات القطارات، فهو يقرر مصير أمة وهو في رحلات قطار. ومن المفارقات أيضاً طلبه الدعم من الإنكليز لتدعيم اعتماد العامية فقال: “ليساعدوا على تقدم الشعب الروحي كما ساعدوا من قبل على تقدمه في الحياة المادية”، وهذا ولمر ذاته الذي أثنت عليه المقتطف وقالت أنه تعبَ تعبْ سيبويه في ضبط اللغة القاهرية. 

شراسة وليم ولكوكس في الدعوة إلى إماتة الفصحى وربط تخلف العرب بالفصحى

ومن الأحداث المفصلية في الدعوة للعامية محاضرة سنة 1893 لمهندس الري الإنكليزي وليم ولكوكس الموفد لمصر واسم المحاضرة “لم لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن” وملخص هذه المحاضرة -وهو يبدي نفسه الناصح الأمين على المصريين- أن سبب شقاء المصريين وتخلفهم عن ركب الاختراع وكل مشاكل التخلف الحاضري هي بسبب استخدام اللغة الفصحى في التعليم والإنتاج، وعدم استخدام اللغة العامية المحكية وربط ذلك بتاريخ المصريين الفرعوني المُمتلِئ بالاختراعات وفي ذلك دعوات جاهلية واضحة تدفع القوميين لتبني خطابه. ويبدو أن ولكوكس كان نشطاً في الدعوة والترويج لمحاربة الفصحى ففي محاضرة ثانية نُشرت عام 1926 بعنوان “سوريا ومصر وشمال إفريقية ومالطة تتكلم البونية لا العربية” حرض على دعوات جاهلية بأن اللغات في سوريا ومصر ليس عربية وإنما بونية وهي كلمة كان يطلقها قدماء مصر على الفينيقيين وزعم أن اللغة البونية هي أساس اللغة الحديثة وليس العربية! وهذا لا يستقيم طبعاً ولا سيما للتشابه الواضح بين العامية والفصحى ولكن يبقى من الدعوى إثارتها للنزعات القطرية ومحاولة تفكيك الجامعة الإسلامية والعربية بيننا.

وليثبت ولكوكس دعوته ترجم بالعامية قطعاً من روايات شكسبير ولمّا لم تسعفه العامية في التَّرْجَمَةً استعار كلمات وتعابير فصحى. كما ألف ولكوكس كتاباً طبياً سماه الأكل والإيمان 1929م ليثبت أن العامية تنفع للتأليف العلمي أيضاً.

مقتطف من الكتابة الركيكة لرواية شكسبير بالعامية كتابة ولكوكس

وحاول ولكوكس دفع فكرته للمصريين بمقابل مادي، فأعلن مكافأة مالية لمن يكتب خطبته “لم لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن” بالعامية وبشكل جيد. بالرغم من كل محاولات ولكوكس في نشر فكرته إلا أنها لم تلاقي الصدى لدى المصريين مما دفعه للاحتجاب عن نشر مجلته بعد يأسه ونشر رسالة الإغلاق فقال: “ولقد افتتحت الأزهر (اسم مجلته) وأردت أن أشحنه بالمسائل الرياضية المفيدة بعد ما وقفت على شدة عوز المصريين لهذه الفنون، وأن السبب الوحيد في تأخر العلوم إنما هو تأخر لغة التأليف، وعدم إقدام المؤلفين على تصنيف كتبهم باللغة الحية المستعملة التي يعلمها ويتكلم بها كل مصري … فحملني حب نشر العلوم وميلي لتنوير المصريين أن أسير في هذه المجلة سيراً وطيداً، ولذلك افتتحتها بمقالة حرضت فيها المصريين وخصوصاً المهندسين على وضع أفكارهم في اللغة الحية المستعملة رغبة في فائدة العموم وحباً في انتشار هذه العلوم.”

يكمل ولكوكس في رسالة إغلاقه بشكواه مما فعله المهندسون المصريين الذي ردوا على دعوته بنشر المقالات التقنية باللغة العامية، بأن أرسلوا له مقالات ولكن بالفصحى لنشرها في مجلته نفسها لإغاظته وهذا ما ذكر “فأبو إلا أن يترجموا عن أفكارهم بلغة غير مشهورة، وأخذوا يرسلون بها الرسائل العديد بغية رصدها بالجريدة، فما كان يسعني في ذلك الوقت إلا قبولها والتشكر لهم، مؤملاً أنهم ربما يخلعون نعل الخوف والإحجام ويلبسون رداء الحرية والإقدام”

 وكان لولكوكس جرأة عجيبة فترجم الإنجيل للعامية، ويبدو واضحاً كما في الصورة أدناه أن العامية لا تقوى على أن تكون لغة تدوين ولا لغة أدب فكيف بأن تكون لغة علوم؟ ! 

مقتطف من ترجمة ولكوكس لجزء من الإنجيل بالعامية! 

وبالنظر للنص ذاته باللغة الفصحى نجد الفرق الهائل في إمكانية الفصحى في التعبير 

ذات المقتطف من الإنجيل ولكن باللغة الفصحى

أصداء الدعوة للعامية وبعض الردود عليها

بدأت الدعوة للعامية تأخذ صدى في الصحف بين مؤيد ومعارض وكان من المؤيدين من لا يجرؤ على وضع اسمه فيضع لقب له مثل “الممكن” ومن المعارضين ممن رد في الصحف على هذه الدعوات الشيخ خليل اليازجي حيث قال أن باتخاذ العامية هدم لمصنفات العرب وحاجة لإعادة كتابتها وأن لهجات العامية متباينة تباين لا يقل عن تباين العامية والفصحى وإنا بذلك نفضي لما فررنا منه وبذلك فإن الأولى والأسهل رد العامية إلى الفصيح. وزاد الشيخ اليازجي بأن الفصحى مستوفية قواعد محكمة لا تدانيها العاميات وأن الحائل بيننا وبين اللغة ليس اللغة نفسها وإنما المستعملين لها وزاد أن سعة الفصحى من كثرة المترادفات ووجوه التعبير يساعد الكتّاب على تبليغ المعنى إلى أبلغ الخاصة وأجهل العامّة.  

يوثق بحث الدكتورة نفوسة دعوة في مجلة المقتطف عام 1883م من أحد مناصري اعتماد العامية الذي استتر باسم “الممكن” إلى اعتماد العامية لغة ودعى إلى نقل المؤلفات العربية التي فيها فائدة لا يستغنى عنها إلى اللغة العامية وإبقاء لغة كتب الدين باللغة الفصحى وإن كانت ميتة حيث قال أن ذلك إسوة بالنصارى الذي يقرأون إنجيلهم باللاتينية والفرس والترك الذين يقرأون القرآن بالعربية ويقصد أنهم يقرأونه دون فهم . “الممكن” ادعى  أن اللغة الفصحى ماهي إلا خليط من لغات قبائل العرب وكما استطاع علماء القرون الأوائل جمعها مع قلة وسائلهم فمن الممكن لنا مع فائض الوسائل ابتداع لغة من اللغات العامية. 

لدعواتهم مقدرة على فتن عقول إذا لم تُعمل الحكمة والعقل، فمن القادر في زمن شتات العرب أن يعيد جهود علماءً صكوا قواعد العربية أمثال سيبويه وهل لأحد من قدرة على فرضها على كل العرب؟ وهل يستطيع أحد تقدير الجهد الذي يحتاجه هذا الأمر -لو صح-؟ 

انبرى كثر للرد على دعوات ولكوكس وأمثاله مثل “الممكن” واقتطفُ هنا أحدها حيث أوردت الكاتبة أحد الردود التي تلت محاضرة ولكوكس “لم لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن” سنة 1893م التي نشرها في مجلته الأزهر، وهو رد لإبراهيم مصطفى ناظر دار العلوم وصاحب مجلة الأزهر الأول. كان رده مقال علمي تفنيدي على المحاضرة المنشورة في ذات السنة 1893م وفي ذات المجلة. بدأ إبراهيم مصطفى بإعطاء صورة عن أنواع اللغات فعرض أنواع لغات كالصينية واليابانية واللغات الأوروبية والعربية، وميّز العربية واللغات الأوروبية بأنها لغات اشتقاقية حيث تتغير صور كلماتها بالتصريف ولكن مادة الكلمة تبقى حافظة لمعناها، وأما اللغة الصينية فهي لغة أحادية المقطع فعدد كلماتها قليل ولا تتغير صيغتها ولا تدل على النوع والكيفية أو العدد أو الزمن وبحسب النطق يكون المعنى، وأما اللغة اليابانية فهي مثال على اللغات المزجية التي تضاف فيها الكلمات لبعضها للتعبير عن الكلمة. أوضح ابراهيم مصطفى ميزات اللغة العربية مقارنة بلغات اشتقاقية أوروبية أخرى فعدد كلمات اللغة الفرنسية 25 ألف كلمة والإنكليزية 100 ألف كلمة (وكثير منها اصطلاحات صناعية) وأما العربية فهي 400 ألف مادة. وهذه السَّعَة لا تدع مكان للالتباس أو إبهام وهما آفة العلم والأدب. وأضاف أن لِيَاقَة العربية لا تقارن بلغة أخرى فجميع المشتقات قابل للتصريف إلا ما ندر، وبناءً على ما ساق إبراهيم مصطفى رتب اللغات من الأدنى للأرقى، فكانت اللغات أحادية المقطع كالصينية الأدنى ومن ثم اللغات المزجية كاليابانية ومن ثم اللغات الأوروبية وأرقى اللغات اللغة العربية، وختم هذا الجزء بقوله “ما يطنطن به البعض من قصورها (أي العربية)، إنما هو جهل به أو لغرض يصعب إخفاؤه”. وفي نهاية اقتباس الكاتبة لرد إبراهيم مصطفى، ذكرت نقضه لحجج دعاة العامية وأهمها نقضه قصور العربية عن أسماء المكتشفات والمصطلحات العلمية وأثبت أنه ادعاء فارغ، لأن هذا الاعتراض ينطبق على جميع اللغات وما دامت اللغات موضوعة فألفاظها وضعت لما هو معلوم لا ما هو مكنون في طي الغيب، وباب الاصطلاح في العربية ليس مغلق في العربية ومفتوح في غيرها وضرب مثلاً بنبات اسمه في الإيطالية (بوجنفليا) وأصل الكلمة هي مشتق من اسم مكتشفه الذي اسمه (جنفل) وضمت له كلمة (بو) وتعني جميل ووزنت الكلمة بوزن الكلمات الإيطالية فأصبحت (بوجنفليا)، وأما في مصر فقد اصطلح عليها بنبات (الجهنمية)، ويضيف أن العدول عن الفصحى للعامية لمثل هذه الاصطلاحات لا محل له، لأن هذه الاصطلاحات كانت مجهولة في الفصحى ولم تكن معلومة في العامية، فهذه الاصطلاحات يستعملها العلماء أولاً ثم تصل إلى العامة. 

نبات الجهنمية وهو اسم اصطلحه العلماء العرب لها، مع أنها تسمى بوجنفليا، وهي مثال على مصطلاحات يستعملها العلماء أولاً ثم تصل إلى العامة

ورصدت الدكتورة نفوسة في بحثها جانب آخر من رد المصريين على دعوات ولكوكس، فظهرت مجلة (المهندس) التي تنشر العلوم الهندسية والرياضية باللغة الفصحى، وزاد المهندسون المصريين في نشرهم للمقالات العلمية باللغة الفصحى في مجلة ولكوكس مجلة الأزهر، إلى حد أثنى ولكوكس عن الاستمرار في إصدار مجلته كما تقدم في مقالتنا ونشر ولكوكس رسالة ذكر فيها عدم تلبية المصريين والمهندسين خاصة لدعوته واستمرارهم في النشر بلغة لا يفهمها إلا القلة (كما يدعي)، ويذكر أنه صبر كثيراً عسى تأتي دعوته بثمار ويعدل الكتاب عن اللغة الفصحى. 

انتشار داء الدعوة إلى العامية بعد دعوات الأجانب 

وكعادة بث الأفكار الشاذة في المجتمع تبدأ بسيطة ومحدودة إلى أن يتبناها من أبناء المجتمع ذاته لتصبح شرسة بمقدار إيمانه بها، كما حصل في دعوة سلامة موسى لاعتماد العامية وهو رائد الاشتراكية المصرية، ويكفي إثبات خطر دعوته للعامية بأن نذكر مقطع واحداً له: “إنها (الفصحى) تبعثر وطنيتنا المصرية وتجعلها شائعة في القومية العربية فالمتعمّق في اللغة الفصحى يشرب روح العرب ويعجب بأبطال بغداد بدلاً من أن يشرب الروح المصرية ويدرس تاريخ مصر، فنظره متجه أبداً نحو الشرق وثقافته كلها عربية شرقية من أننا في كثير من الأحيان نحتاج إلى الاتجاه نحو الغرب وليس من مصلحة الأمة المصرية أن ينزع شبابها إلى نحو الشرق”.

أدرك سلامة موسى أنه لا سبيل لدعوته بالنجاح بخطوة واحدة، فدعا لخطوة أولى سماها (تسوية بين العامية والفصحى) وتتلخص دعوته في إهمال العديد من قواعد العربية الفصحى وتسكين أواخر الكلمات وأخذ المصطلحات الأجنبية كما هي مع قلبها لأحرف عربية فقط دون ابتداع اسم عربي. وتبعه في دعوة التسوية بين العامية والفصحى أحمد لطفي الصباغ أحد دعاة القومية المصرية وتوسع في الدعوة بسبع مقالات نشرها في صحيفته (الجريدة) عام 1913 ورغم أنه كان أكثر اعتدالاً ومنطقية في طرحه إلا أنه لا يحيد عن اعتماد العامية رسمياً في الكتابة، وهو وإن دعا إلى رفع مستوى العامية لدرجة تسمح لها اعتمادها، إلا أنه لا يختلف كثيراً عن دعوات العامية، فقد صرّح بعدم اكتراثه لضياع الفصحى وانفراط العقد الجامع بين المسلمين بلغة القرآن، فقال: “إننا وإن كنا لسنا من أنصار الجامعة الإسلامية كونها دينية لاقتناعنا بأن أساس الأعمال السياسية هو الوطنية وروابط المنفعة دون غيرها، فإننا مع ذلك لا نرى الاعتراض وجيها ولا من هذه الجهة، لأن القائلين بالجامعة الإسلامية يجب عليهم أن يقبلوا الترك والفرس والهنود والصينيين والجاويين والشراكسه وهم لا يعرفون من اللغة العربية شيئاً ومجموع عددهم أضعاف مجموع عدد من يتكلمون العربية من المسلمين”. وقد طبق أحمد لطفي الصباغ دعوته في كتابته فأدخل العامية في الفصحى.  

نص من كتابة أحمد لطفي الصباغ الذي تعمد إدخال العامية مع الفصحى وهو أحد دعاة اعتماد العامية المتأثرين بدعوات الأجانب 

ورد أحد أعمدة الأدب العربي مصطفى صادق الرافعي على أمثال هذه الدعوات، فحذر على أن إدخال العامة ولو بالقليل، فذلك سيتسع شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى للفصحى مكاناً، وأن الدعوة للعامية واللهجات تتنافى مع دعوة القرآن الذي وحد ألسنة العرب وردها إلى لغة قريش. 

ظهور مؤلفات بعد دعوات اعتماد العامية

رصد بحث الدكتورة نفوسة ظهور مؤلفات كآثار لدعوة اعتماد العامية ومنها كتاب “التحفة الوفائية في تبيين اللغة العامية المصرية” لمؤلفه وفاء محمد الفوني 1899م الذي كان قامواساً للكلمات العامية ورتب حسب الأحرف الأبجدية وانتهي عند حرف الحاء واعترف الكاتب أن العامية لا يمكن ضبطها ولا ترتيبها وما اجتهد فيه فإنما كان إرضاء لرئيسه الدكتور كارل فولرس. إن للمؤلف أورد في مقدمة سماها “مقدمة التحفة الوفائية في اللغة العامية المصرية” دفاعاً عن العربية الفصحى واقترح وسائل لتقويم العامية وإصلاح فسادها. ومن أهم ما ذكره تفنيد لرأي من اقترح استنباط قواعد العامية واعتمادها فقال: “وهب أنه وضع قوانين لهذه اللغة (يقصد المحكية) علماء الفنون العربي، فلا تتم فائدتها حتى يتحتم تعميم تعليمها لكافّة أفراد الأمة لا فرق بين ذكر وأنثر وصغير وكبير، كيلا تحدث تغييرات أخرى بسبب دوام الاختلاط، فإن دوام السبب يستلزم دوام المسبب. وتعميم التعليم بهذه الكيفية متعسر الحصول إن لم يكن متعذراً، على أن الأولى بالتعليم هو أصول اللغة الفصيحة لغة القرآن والحديث.”

ومن آثار الدعوة إلى العامية كما ذكرت الباحثة أن بذل الكثير جهوداً لدراسة العامية بجهود خالصة ليس لإحلالها وإنما لتتبع خواصها وإصلاحها فظهرت كتب ومنها: كتاب “رد العامية إلى الفصيح”. وكتاب “أصول الكلمات العامية” وكتاب “الدرر السنية في الألفاظ العامية وما يقابلها في العربية”، وكتاب “موقف اللغة العامية من اللغة الفصحى” لمحمد فريد أبو حديد 1947 وكتاب “العامية في ثياب الفصحى” لسليمان محمد سليمان 1950  وكتاب” تهذيب الألفاظ العامية”.

وفي “كتاب خصائص اللغة العربية” لحبيب غزالة تحدث عن نشأة اللغة العامية وسببه، ورد كثير من مميزات العامية للعربية الفصحى وفيما يلي أمثلة:

أمثلة عن الجوانب المشتركةأمثلة من العامية أمثلة من الفصحى 
ألفاظ يتبادر للذهن أنها عامية وهي فصيحةمشتركة بين العامية والفصحى: لمه، وشوش، طل على، الشقفة، زول، مزنة، تقابلها في الفصحى: جمعة، الوشوشة، زار، قطعة، شخص، سحابة  
الصيغ الدالة على التصغيرشوية و بنيّه ، كويّسكُتيب، لقيمة
صياغة الأفعال من الكلماتبوّز ، تيّساستأسد، و استنوق
الأفعال الدالة على التكرار والترجيع أو الاستمرار أو المبالغة لفلف، زهزه، سخسخكسّر، قطّع
الكنايةأنت في عيني(فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا)

دعوات للتجديد في العربية لمواجهة مثل دعوات العامية

كان لدعوات اعتماد العامية آثار ثلاثة: أثر في اعتناق البعض لذات الدعوة وأثر في مؤلفات درست العامية وبينت خصائصها ومؤلفات درست سبل تيسير تعلم الفصحى وتحسين وتدريسها لطلبة المدارس ومن طليعتها كتاب “الدروس النحوية” تأليف حفني ناصيف ونخبة من أساتذة اللغة عام 1891م ، وكتاب النحو الواضح لعلي الجارم ومصطفى أمين. وطرحت نظريات جديدة في علم النحو كما فعل إبراهيم مصطفى 1937 في كتابه “إحياء النحو” حيث أتى بنظرية أن الإعراب تابع للمعنى وليس للعامل التي اتخذها القدامى أساساً للنحو، فالضمة علامة الإسناد ودليل أن الكلمة المرفوعة يراد أن يستند إليها ويتحدث عنها. والكسرة علامة الإضافة وإشارة إلى ارتباط الكلمة بما قبلها سواء كان هذا الارتباط بأداة أو بغير أداة وأما الفتحة فليست علامة إعراب ولا دلالة على شيء، بل هي الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب التي يراد أن تنتهي بها الكلمة كلما أمكن ذلك، وتشير الدكتورة نفوسة في أطروحتها للدكتوراه هذه أن تجرِبة تبسيط الإعراب بناءً على مقترح ابراهيم مصطفى قد طبقت فعلًا في العام الدراسي 1957م. وتبع محمد عرفة ذلك المسلك في اقتراح تصحيح تدريس العربية في كتابه (مشكلة اللغة العربية) وكان رأيه أن اعتمادنا على القواعد لا ينشئ الملكة اللغوية لدى الطالب فاللغة لا تكتسب بالقواعد فحسب وإنما بالتكرار والحفظ واقترح منهجاً في إلزام الطلاب في المراحل الأولى حفظ وفهم مقدار كافي من أشعار العرب لأن القواعد النَحْوِيّة لا تناسب عقولهم وفي المرحلة الثانوية يُدخل للطالب قواعد النحو بعد أن يكونوا قد اكتسبوا ملكة اللغة في المراحل السابقة. 

ومن الحوادث الملفتة التي ورددت في هذا الكتاب عن مجمع اللغة العربية في القاهرة حين وضع جائزة بألف جنيه عام 1944 في مسابقة لأحسن اقتراح لتيسير الكتابة بالعربية. فاقترح عضو المجلس عبد العزيز فهمي، وهو أول من اهتم بفكرة استبدال الحرف العربي باللاتيني اهتماماً جديّاً واقترح أبجدية جديدة مبنية على الحرف اللاتيني. واستشهد عبد العزيز بالتجربة التركية التي يعدها تجرِبة ناجحة متناسياً الأضرار التي جلبتها للأمة التركية والتي يعترف بها الأتراك أنفسهم. وفي الكتاب تفصيل في فشل هذا المقترح والرد العلمي الذي جاء مقترحه من مجمّع القاهرة.

أبجدية مبتدعة من عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة عبد العزيز فهمي لاستبدال الحرف العربي بأحرف لاتينية 

ومن اقتراحات تطوير الكتابة العربية دون استبدال الحروف، اقتراح أحمد لطفي السيد عام 1899م حيث اقترح استعاضة الحركات بأحرف في الكلمات فكلمة (سّعْدٌ) اقترح كتابتها (ساعدون) وما يبدو من هذا المقترح أنه تعسيراً للكتابة ومثال ذلك ما أصاب كلمات مثل (مُحّمَّدٌ) تصبح (موحاممادون) والأمثلة كثيرة. ذكرت المؤلفة اقتراح آخر لعلي الجارم استحدث فيه أحرف خاصة عوضاً عن الحركات. 

اقتراح لعلي الجارم لاستعاضة الحركات بأحرف

ومن الأمثلة التي ساقتها الدكتور نفوسة عن اقتراحات التيسير مثال استوقفني، وبدا مبتكراً من دون النظر طبعاً لعدم تقبلنا لأي مقترح يقطع صلة مع لغة القرآن لفظاً أو كتابة. أراد هذا الاقتراح تسهيل عمل المطابع وتبسيط صناديق الحروف المطبعية في ذلك الوقت، حيث يتم رص أشكال الحروف معًا لطباعة الكلمات على الورق، ولكون لأحرف العربية ثلاث أشكال (أول الكلمة – أوسط الكلمة – أخر الكلمة) فلا شك أن ذلك سبّب صعوبة في وقتها. لذلك اقترح محمود تيمور 1951م الاكتفاء بصورة واحدة من أحرف العربية لهذا الغرض. اقتراح كهذا شديد الخطر لأنه قد يُنظر له في وقته بنظرة مُستحسنة وربما لو كان له حظ لاعْتُمدَ ولكن نجد بعد أقل من 30 أو 40 سنة من هذا الاقتراح أن المطابع اليدوية اندثرت وأصبحت رقمية، وهنا نتساؤل ما كان حال العربية اليوم لو قُبل هذا الاقتراح ذلك الوقت؟ ولهذا فإن أي تغيير يقطع صلتنا بتراثنا خطير دون إطالة النظر به وبتأثيراته المستقبلية. والناظر لتطور اللغة العربية ولا سيما إضافة حركات الأحرف وإضافة نظام النقط للحروف يجد أنها حافظت على شكل الكتابة وكانت متناسقةً معه وربما هذه أشكال التحسينات التي يمكننا العمل عليها.

اقتراح محمود تيمور 1951م لاعتماد شكل واحد من أشكال الحروف لتبسيط صناديق الطباعة في المطابع
لا تزال اليوم أقدم مخطوطة للمصحف الشريف (الصورة السفلى) قابلة للقراءة للعرب بعد أكثر من عشرة قرون، وذلك لتناسق تطور الكتابة العربية وعدم إضافة تعديلات تسبب انقطاع بين نظام كتابة وآخر. انظر لمراحل تطوير التشكيل والتنقيظ في الصورة العلوية.

وتحدث بحث الدكتورة نفوسة عن نزعة لدى المشتغلين بالعربية إلى إصلاح متن اللغة توسيعاً وتبسيطاً، وناقش الكتاب اتجاهات التعريب لضم المستحدثات وكانت الاتجاهات منقسمة بين من دعا لاعتماد الأسماء الأجنبية كما هي مع قلبها لأحرف عربية وبين من دعا إلى البحث عن مرادف وإن لم يوجد تُدخل الكلمات بعد أن تُصقل لتناسب أوزان العربية. ولم يكن التعريب مقتصراً على المفردات بل أيضاً الأساليب اللغوية وقد رأينا في مقالة مراجعة كتاب العرنجية لأحمد الغامدي أن كثيراً من الأساليب المستخدمة اليوم هي تَرْجَمَة حرفية لأساليب إنكليزية، يوجد مقابلها بالعربية ما يغنينا عنها.  أما تبسيط اللغة، فكان منها دعوات لإعدام بعض الألفاظ الغير مستخدمة إلا من المعجمات التاريخية مثل كلمات: (الحيزبون – الدردبيس – الغلطبيس) وتخفيف عدد المترادفات وكلمات الأضداد مثل كلمة (قسط) تستخدم بمعنى إذا جاء وبمعنى إذا عدل. وأيضاً تبسيط قواعد النحو والصرف وتقليصها. أورد البحث ردود علماء اللغة على هذه الدعوات أيضاً. 

وكان ميدان الأدب ميداناً آخراً بين دعاة العامية والفصحى وقد ذكر الكتاب تفصيلها، ومن أبرز ما ذُكر قصيدة للشاعر حافظ إبراهيم كلنا حفظناها في الصغر ولكن ذكر الكتاب أنها كانت ردّ على الضجة التي أثارها كتاب (ولمر) العربية المحكية في مصر عام 1901م الذي دعا لاعتماد العامية بدل الفصحى، فقال الشاعر إبراهيم رداً عليه:

وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةًوَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍوَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌفَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي
فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِنيوَمِنكُم وَإِن عَزَّ الدَواءُ أَساتي
فَلا تَكِلوني لِلزَمانِ فَإِنَّنيأَخافُ عَلَيكُم أَن تَحينَ وَفاتي
أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزّاً وَمَنعَةًوَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ
أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّناًفَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ
أَيُطرِبُكُم مِن جانِبِ الغَربِ ناعِبٌيُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي

ويقولها شاعرنا الفذ صراحة منتقداً هذه الدعوات ولا سيما كتاب ولمر

أَرى كُلَّ يَومٍ بِالجَرائِدِ مَزلَقاًمِنَ القَبرِ يُدنيني بِغَيرِ أَناةِ
وَأَسمَعُ لِلكُتّابِ في مِصرَ ضَجَّةًفَأَعلَمُ أَنَّ الصائِحينَ نُعاتي
أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُإِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ
سَرَت لوثَةُ الإِفرِنجِ فيها كَما سَرىلُعابُ الأَفاعي في مَسيلِ فُراتِ

وفي الكتاب توثيق لردود عظماء الأدب العربي الحديث من حافظ إبراهيم وأحمد شوقي وجبران خليل جبران ورفضهم دعوة العامية. وذكر الكتاب في فصول كثيرة تأثر الفن والأدب بأشكالهم المختلفة بدعوة العامية.

خاتمة 

تقول الدكتور نفوسة في بحثها أن افتعال الصراع بين العامية والفصحى لا أساس له فلا ثنائية لغوية في العربية وإنما هي ظاهرة طبيعية في كثير من اللغات ولا سيما في لغتنا العربية بسبب اللحن ووجود ألسنة مختلفة للعرب الذي هاجروا واستوطنوا بقاع مختلفة. من الجمل القصيرة التي وقفت عليها في بحث الدكتورة ولكن بليغة المعنى ومحزنة الحال وهو تصريحها أن ابتداعهم لدعوة اعتماد العامية استنزف جهد ووقت العلماء في هذا العصر، فبدل انشغالنا في تطوير العربية ورفع سوية العامّة، انشغل العلماء والكتّاب في تفنيد الدعوات الجاهلة وإخماد نار فتنتهم. 

وكما قالت الدكتورة في ختام بحثها فإن تأفف بعضنا من اللغة الفصحى لم يكن نتيجة للشعور بعجز الفصحى عن الوفاء بحاجاتنا العلمية والأدبية وإنما كان نتيجة للشك الذي أثاره فينا الأوروبيين نحو الفصحى في دعوتهم إلى العامية. كما أن الرأي العام متجه للتمسك بالفصحى وأضافت الدكتورة في عبارتها الأخيرة في الكتاب أنه “على ضوء الحقائق يمكننا أن نقرر فشل الدعوة إلى العامية، تلك الدعوة التي أثارت كثيراً من مشاكلنا اللغوية والأدبية طوال هذا القرن، (القرن العشرين وهو قرن الكتاب) والتي بدأت بثورة على الفصحى وانتهت بالثورة لها.

أختم هذا المقال لمن زادته المقال شوقاً لتملّك الملكة اللغوية بإشارة لكتاب الدكتور البشير عصام المراكشي المسمّى “تكوين الملكة اللغوية”  وهو كتاب لطيف فيه مقدمة عن منزلة العربية وعقبات تكوين الملكة اللغوية ومن ثم خُطَّة لتكوين الملكة في النحو والصرف والبلاغة والإملاء والعروض وبعض المباحث الإضافية وقائمة منتقاة من المراجع بناءً على تجرِبة الدكتور بشير.

  

يحيى طويل

من أرض الشام ومن سوريا تحديداً وأحمل شهادة الماجستير (2023) والدرجة الجامعية في هندسة الإلكترونيات والحواسيب (2015). حملتني الأقدار لأعيش في أقطار شتّى بعد سوريا ، فعشت في السودان وماليزيا وتركيا ، وعملت بتخصصي منذ تخرجي مهندس نظم مدمجة بشركات عديدة. أحب الكتابة والتدوين ولذلك أكتب في تخصصي في موقع (عتاديات) وسأبدأ في (كلمات) تجربتي الجديدة.

‫2 تعليقات

  1. مقال وافي و شافي، هذا ما كنت أبحث عنه. بارك الله فيك.
    شعاري في المنتديات و وسائل التواصل الاجتماعي، كان دائما: ” أنا لا أريد أن أتشرد بين اللهجات”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى