Site icon مدونة كلمات

زلزال الرابعة والسابع عشرة دقيقة علمني 13 فائدة

مرّ أسبوعان تقريباً على الزلزال المدّمر الذي أصاب سوريا وتركيا وقد حضرت الزلزال فأنا مقيم في الجنوب التركي. بينما كنت نائماً في منتصف الليل وعند الساعة الرابعة والربع فجر يوم الاثنين 15 رجب الموافق للسادس من شباط ، أفقت هلعاً والدنيا تتزلزل، قفزت من السرير إلى غرفة بناتي المجاورة وأنا أصيح باسم زوجتي لتستيقظ وصوتي يقطعه الخوف، سحبنا طفلتينا ووضعت ابنتي الأصغر بيد والبقية خلف ظهري وحشرتهم بيدي الأخرى ووقفنا عند باب الغرفة فهكذا أرشدونا عند الزلزال أو هذا ما خطر ببالي. لا يذهب من عقلي صوت الزلزال الممزوج بين أصوات قرع الأبواب وصوت طقطقة الأرض، الدنيا تهتز من فوقنا ومن تحتنا ومن كل مكان. ألهمني الله بأن أصيح خلال الدقيقة التي استمر بها الزلزال بنداء واحد صدحت به بأعلى صوتي فقلت ” الله أكبر .. الله أعلى وأكبر” صدحت بها بصوت ما صدحت به من قبل والتمست بها معنى عظمة الله ما لم ألتمس قبلها إنه صوت الهلع المستجير بالله. كان قلبي يقول يا أرض اركني فالله أكبر. ظللت أهتف بالنداء ذاته إلى أن وقف الزلزال وبهذه الأثناء كنت مترقباً إما النجاة بلطف الله أو الوفاة وكنت حقاً لا أدري أيهما مصيرنا. 

صور لساعات من أبنية وبيوت مهّدمة توقفت عند الساعة 4:17 دقيقة وهو وقت الزلزال. كم هي صورة بليغة إذا تنطق هذه الساعات باللحظة الأخيرة للجدران التي علقت عليها وربما لساكني ما بين هذه الجدران. حقوق الصور لصاحبيها.

تخيلت لاحقاً لو قُدّرَ لرسّامٍ أن يوثق المشهد ولن يستطيع أحد ذلك، فهل لمشهد مرسوم أن ينقل لغيري كيف وقفت مع عائلتي في مكان أحاط به الموت من كل مكان، فأوراح تسحب بعشرات الآلاف وبيوت تقع وأناس تبكي وأناس تصرخ وأناس تتلو أذكاراً وكل ذلك ليلاً والثلج يهطل. ما أعجب آيات الله وما أضعفنا مهماً بلغنا من قوّة وبنيان. دقائق فقط هدمت كل ما كان سيحتاج لحربٍ مدمرة طويلة الأمد لفعل ذات الدمار ولكن قوة الله أكبر ومشيئته أوجب قدّر الله وما شاء فعل. فأي قدرة عظيمة تلك التي تطوي البناء وكأنه من ورق وتذرّ البنيان وكأنه رماد وتشق الأرض وكأنها قطعة قماش وهذا كله ولم نشهد إلا انزلاقاً في صفائح الأرض و قد سببت كل ذلك فكيف عندما يأمر الله الأرض والشمس والسماء فتطوى طوي السجل في الأيام الأواخر. 

كل أهوال ما حدث بكفّة وصوت الهزة بكفّة وما ظننت يوماً أن يكون وقع الآية من سورة الزلزلة مفهوماً لدي كاليوم: { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) } حاشا أن أقارن هذه الزلزلة بتلك ولكني أجزم أن للزلزلة المذكورة حديثاً ستنبئنا به.  بعد انتهاء الزلزال الأول فجراً كان أمامي ثوانٍ قليلة لأقود عائلتي فأشرت لزوجتي تغطية رأسها بأي شيء وأن تصحب بناتنا وتنزل فوراً للأسفل، وفي هذه الثواني القليلة كنت أحصر ما يجب إحضاره: مفاتيح المنزل- الهويات – محفظتي – غطاء للأولاد – وفقط. عندما نزلنا كانت الناس جميعهم قد حشروا للشوارع ينظر بعضهم لبعض أنْ ماذا حصل. هي وربي صور من أهوال يوم القيامة، كان الهلع عند الجميع كانت الرجال ترتجف ليس من البرد وإنما من الخوف. جاءت الزلزلة في منتصف الليل مع الثلوج المتساقطة والصقيع مما زاد شدة هول المشهد وكآبته.

عندما أمِنْتُ على أسرتي وظهر سلامة بنائنا وبعد ساعتين من الزلزلة الأولى صدح أذان الفجر فذهبت للمسجد القريب لأصلي و لأستكشف أحوال الناس، فشاهدت العجائز والمرضى ومبتوري الأطراف في الطرقات وما أخرجهم إلا عظيم وكان لذلك حزازة كبيرة في القلب إذ يبدو أن اجلاءهم كان متأخراً وأنه لا بد أن تعسر على البعض إجلاءهم في لحظة الفزع الأولى وآثروا سلامة الأصحاء على سلامة المرضى وليس الخيار في ذلك يسير. بعد انتظار ست ساعات خارج المنزل تحسّباً لهزة ارتدادية، لم يحصل أي مكروه ولم ينبهنا أحد بضرورة البقاء في الخارج. عدنا ولملمنا فوض المنزل قليلاً وأنمنا بناتنا بعد ذلك الرعب الكبير وما أن انتهينا حتى ضربت هزة كأخت الأولى وعدنا لكرتنا الأولى. سمعت صوت الزلزلة ذاته وصدحت من هلعي بنفس القول: ” الله أكبر .. الله أعلى وأكبر” وكنت أقول في نفسي كيف للبناء أن يتحمل الهزة الثانية لذلك أردفت بالتشهد مراراً. سلمنا الله ونجونا ونجى البناء من الثانية وهنا نزلنا للشارع وعرفنا أنه لا سبيل للبقاء في المنزل.

بدأنا من الهزة الثانية التشرد فكنا نتلقّف أخباراً عن أماكن لجأ لها الناس خوفاً من هزات أخرى وبدأنا نمشي هائمين في الشوارع حتى وجدنا مكاناً مليئاً بالناس. تنقلنا خلال يومين بين الجوامع والصالات بحثاً عن السلامة وكان من أفزع المشاهد هو مبيتنا في صالة كبيرة فُتحت لتؤي الناس وفيها مالا يقل عن 700 شخص. ترى بينهم الأطفال والنساء والشيوخ وكل عائلة التفت حلقةً. ضوضاء الناس في ذاك المكان لا تنسى وصرخاتهم عند كل هزة ارتدادية تقسم القلب. عشنا في أول يومين تشرداً مكتمل الأركان، نهيم من مكان لمكان طلباً للسلامة وكذلك الناس تراهم هائمون جميعاً لا ينظر أحدُ للآخر فالكل هلع يبحث عن حاجته. كان في تلك الأيام حساس الزلازل لدينا هو كل ما تدلى من السقف ومع كثرة الهزات الارتدادية كان جسمي يشعرني كثيراً بزلزلة كاذبة. على الرغم من أني خرجت من سوريا متأخراً وعشت أهوال الحرب إلا أهوال قدرة الله لها وقع آخر، وذقت قليلاً مما ذاقه كثير من أبناء أمتنا من التشرد والنزوح والبقاء متهيأً بلباسي الكامل وبقاء زوجتي بحجابها خوفاً من أي هزة تخرجنا للشارع على حين غرة.

ما قبل الزلزال ليس كما بعده

قال لي جارٌ عبارةً وقعت في نفسي: (ما قبل الزلزال ليس كما بعده) وبالفعل كان لدقيقة واحدة أن تغير حال الملايين وتقطعهم عن حياتهم السابقة. فأحسنهم حالاً من نابه الهلع والخوف فقط وأسوأهم من فقد منزلاً أو طفلاً أو عائلة كاملة.  والأهم من ذلك أن ما بعد الزلزال ليس كما قبله في تلقي سنن الكون ونوائب الدهر. وهذه بعض الفوائد مما حصل ولا أزعم أنها كلها ولكن ذكرت أعظم ما استشعرت في الأيام السابقة: 

– عرّفني الزلزال أنّ: ما ستحمله من الدنيا عند اقتراب الأجل قليل جداً فمن بين مئات الأغراض من منزلي لم أختر إلا المفتاح والمحفظة وما نستر به جسدنا وغيري  لم يكن له وقت لاختيار إلا شيء واحد وهو سلامة الجسد. علمني الاغتراب أن متاع الدنيا ثقيل وكلما خف المتاع  كانت لرحتنا راحة أكبر وفي كل مرّة انتقلت منها من بلد لبلد تمنيت لو متاعي حقيبة واحدة ولكن الزلزال علمني أنه حتى هذه الحقيبة ليس مهمّة.

2- عرّفني الزلزال أنّ: قاتل الله عبارة ” يقولون أنّ … ” أو باللهجة الشامية ” عم يقولوا …” وهي منبت الإشاعات ومحراك الشر في أي بلوى. كانت تستفزني عبارات مثل “يقولون ستحدث هزة مدمّرة جديدة عند الساعة الواحدة والنصف” أو ” يقولون أن الوضع سيستمر لأشهر وربما لسنة” وكنت أسأل دوماً من هم وهل هذه الهزات من فعل بشر حتى تتسرب معلومة سرية بين الناس. أذكر في ليلتنا الثانية كيف كنا في المسجد نائمين وإذ بنا نسمع صراخ السيدات فسألنا عما يحدث فوجدنا أن إحداهنّ قالت أنها تتابع “مواقع على الشبكة أجنبية” وأنهم يقولون أن زلزالاً مدمراً سيأتي الساعة الحادية عشر ليلاً، وبسفاهتها هذه أخرجت معظم من في الجامع للخارج والحرارة ناقص أربع درجات. قاتل الله الإشاعات وهدى ناشريها فهي بلوى لا تقل عن المصيبة. 

3– عرّفني الزلزال أنّ: ما كان موتاً أو خوفاً أو بلاءً بيد الله وحده وليس بفعل عبد من عباده فإنه يُستلذ التسليم به. قررنا بعد تشرّد دام لأكثر من يومين وبعد تأكدنا من صحة بنائنا أن نبقى في منزلنا حفظاً لماء وجهنا من التشرّد وعزمنا أن نطلب بصدق من الله الخير بقلوب مطمئنة لما كتبه علينا فلا مفر لدينا فكل الأماكن معرضة للخطر.

4- عرّفني الزلزال أنّ: من الناس من ماتت قلوبهم فلم يجد من الزلزال سوى خطر الموت ولم يعتبر بأنه آية من آيات قدرة الله على عباده وأنه آية يرينا الله فيها قرب الموت منا في أي لحظة. هناك من احتكر وهناك من رمى الخبز أمام القمامة وهناك من لم يذكر الله للحظة وهناك من تجرأ على الله وقدره. القلوب بيد الله فيا رب ثبت قلوبنا وأرقها لنا لنحسن عبادتك.

5- عرّفني الزلزال أنّ: الأخلاء يظهرون في الشدّة فبصحبة الخير والجيران والأهل تهون المصائب وتعضدك في لحظات الضعف. وكم من الأصحاب وذوي الرحم لم يسألوا عنّا ممن لهتهم الدنيا ومتاعها.  

سمعنا من جارة لنا وهي التي تعيش مع أبنائها في تركيا وزوجها يعيش في السّعودية ولها شقيقة متزوجة تسكن نفس البناء. هربت الأخيرة وزوجها بسيارتهم الواسعة مع جارتهم الأخرى وتركت أختها وراءها بالرغم من ترجيها لهم أن يصحبوا على الأقل طفلها الصغير وكان ردهم: (اعذرينا ليس لدينا متسع) فأي قهر لهذه الأخت أن يصبها من خذلان اختها. 

6- عرّفني الزلزال أنّ: كم نحن مسرفون في طعامنا وملذاتنا وكيف أن لبضع لقيمات أن يقم صلبنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وكنت استشعرت كثيراً من النعم أثناء معيشتي خلال الحرب في سوريا ومع ذلك ينسى الإنسان فيعود للإسراف.

ليس الغرض من هذه الصورة التعميم ولكن من المؤلم جداً استهتار البعض بالنعم في أحلك الظروف. صورة لرمي الخبز كالقمامة في رابع  أيام الزلزال رغم ندرته أول أيام الزلزال. الصورة اليمينية التقطتها أمام مسجد الحي وفيها حوالي 30 رغيف مرمي من الخبز السوري -كما يتعارف هنا في تركيا- بالقرب من القمامة والصورة الثانية لخبز تركي ملتقطة من شخص أتابعه على تويتر يعيش في كهرمان مرعش وهي مركز الزلزال

7-عرّفني الزلزال أنّ: نتهاون بالصلاة ونكسل عن أداء العبادات وحتى إن أديناها أديناها بقلوب فارغة وعقول منشغلة. لذة الصلاة في أول أيام الزلزال ليس كلذة أي صلاة. فهي صلاة من ولد من جديد وكأنه اليوم أسلم وصلاة من أحاط به الموت فصلى كالمودع وصلاة من أدرك قدرة الله فصلى بخشوع تام.

8- عرّفني الزلزال أنّ: نحن متأخرون دوماً في التهيؤ للنكبات ولا نستفيد من الدروس بقدرٍ جيد وأن التهيؤ ليس رفاهية. قد يبدو التدرب على الزلازل للبعض مضيعة للوقت ولكن عند غيابه سيكون ندماً في لحظة فوات.  

9- عرّفني الزلزال أنّ: التآخي والاندماج الحقيقي بين سكان البلد الواحد لا مفر منه والكره أو المحبة على حرفِ هي مصيبة المصائب. يوماً عن يوم تزداد جهالة الناس وسرعتهم في التعميم وتقل لديهم دفء وأخوية الدين بغض النظر عن العرق. فالتأخر والتقاعس عن إيخاء الناس كما فعل النبي فعلاً وقولاً بين المهاجرين والأنصار لا يقدِّر ثمنه إلا من شاهد المجتمعات المفكّكة في الكوارث. 

10- عرّفني الزلزال أنّ: كثير من الناس يهلعون فيهرعون إلى تويتر وفيسبوك والواتساب لرصد أقوال المتنبئين وليس إلى القرآن والاستغفار. ليس من قدرة العلماء تحديد مكان وتاريخ الزلزال ولو وصلوا لذلك العلم لما رافق كل زلزال كل هذه الوفيات والدمار ولا شك ألا دولة ترغب بتدمر اقتصادها وهي تعلم مسبقاً خطر الزلزال. كنت من فترة كبيرة اعتزلت الفيسبوك وكل فترة أحاول تقليل تعرضي للمعلومات السطحية التي تضخ عبر شبكات التواصل الاجتماعي التي يكتبها الجهال والناقلين عن الجهال. مع الأسف الشديد فإن اعتزالك لن يغنيك، فأثناء أيام الزلازل كنت ألتقي الكثير وأتحدث مع من آمن بسطحية معلومات تويتر وأشباهه ومع من آمن بها كحقائق مطلقة. سيفرغ الجميع على مسامعك مافي جعبتهم من توقعات قرأوها هنا وهناك شئت أم أبيت وسيستقبل رأسك ذلك. في اليوم الثاني من أيام الزلازل جاءتني لحظة صفاء وقلت لنفسي طالما هذا الأمر كله بيد الله وطالما أن الزلزال قد حدث وانتهى وقد نجانا الله منه فلماذا الهلع؟ ولماذا أدعُ تخوفات الناس المبنية على أقوال المتنبئين أن تشلني؟ ولماذا أدع مثل هذه المعلومات الضالة المضلة تخدعني؟ علمني الزلزال أن يبني الإنسان مقداراً جيداً من قوة الأعصاب وتحكيم العقل وعدم الانجرار خلف ما شاع بين الناس. 

11 – عرّفني الزلزال أنّ: نحن مشغلون عن عبادتنا بأدوات الحضارة الحديثة، فرغم ما أتاحته الأدوات الحديثة من تواصل سهل وفوائد جمّة إلا أنها تلهينا عن عبادات في ساعات المحن وخاصة من يستخدم الهواتف والانترنت لإضاعة الوقت. ستشاهد الناس منشغلون بهواتفهم عن مصاحفهم وأذكارهم وتضرعهم. أذكر عندما مكثنا في صالة إيواء فيها ما لا يقل عن 700 شخص وكان فيها إذاعة صوت وما خطر لأحد لساعات أن يتلو شيئاً من القرآن وقليل ما شاهدت أحد يسبح أو يذكر الله إلا بضع عجائز، حتى قام شخص وقال للناس مالكم لا تذكرون الله وطلب ممن يجيد قراءة القرآن أن يصعد فيتلوا على الناس، ولولى حرص هذا الشخص على ملئ وقت الناس بالخير لمضت الساعات والناس يتسامرون ويقلبوا الصفحات في جوالاتهم. دخلنا في ليلة إلى جامع الحي ذو البناء الصغير لنبيت به فكنا نخشى النوم في بناء عالٍ تحسباً لهزة قوية أخرى، وبينما كان الناس مشغولون بالنوم أو التسامر، كنت أقلب النظر بينهم فإذا بشيخ يقرأ القرآن ويصلي وما كان غيره يفعل ذلك. عندما شاهدته تذكرت كم أشغل وقتي بغير قراءة القرآن والصلاة، وشكراً له فقد قرأت ما شاء الله ودعوت طمعاً برحمته. ولأمثال هذا الشيخ ومن نادى على الناس أن يستغلوا وقتهم بدعاء الله والتوبة فضل كبير وبذات الوقت شعرت كم بعدت أمة الإسلام عن الابتهال لله حتى في هذه اللحظات وهذا يتجاوز الإعراض المذكور في هذه الآية {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا (67)} أي حتى لم نتضرع إلى الله أثناء المصيبة ولا بعدها.

12 – عرّفني الزلزال أنّ: الناس عاطفيون ويبنون قراراتهم بتسرع ودون تحكم بمشاعرهم وخاصة النساء وهذا وإن كان معلوماً إلا أنه كان محسوساً أشد الإحساس أثناء الزلزال. على الرجال التحكم وتوجيه المنزل لصوت العقل أكتر. فمثلاً أثناء الزلزال كانت النساء في هلع مبرّر وأخذ الناس ينتقلون لمدن أخرى في أقصى تركيا هرباً، وهذا تسبب بازدحام غير معقول وأحياناً مع تهديد السلامة أو الإذلال في المطارات والطرقات ومنهم من ترك كل شيء وانتقل لبلد آخر، وليس الاعتراض على طلب السلامة ولكن الاعتراض عمن لم يتضرر لا في بنائه ولا عياله ومع ذلك أصغى للهلع فقط ورمى كل شيء وراء ظهره. كان لمجموعات الواتسأب أثراً كبيراً في نشر الهلع بين النساء وبالتالي للأسرة ككل. 

13- عرّفني الزلزال أنّ: الزلزال يأتي على غفلة ولا يملك الإنسان من أمره شيئاً عند حدوثه ولن يكون متحسباً متهيئاً له فهو من أصدق الاختبارات للإيمان ولعلاقاتك مع الناس وأسرتك وستجد فيه مواطن ضعف جلي وتقصير في نواحي عديدة، فمثلاً: أقل وجه ضعف وجدته عندي أني لا أعلم أي أثر أو دعاء لدى الزلازل ولا لأثر من الصالحين عند نائبة مشابهة، عدى عما وجدت من الأفكار والخطرات التي تعكس ارتباطاً بالدنيا، وعلى صعيد التهيؤ المادي فربما لم نسمع أكثر من دقائق مرت صدفة عن التصرف الأمثل عند وقوع الزلازل. 

لما وجدته من تقصير في التهيؤ للزلازل آثرت كتابة هذه الخواطر قبل أن تبرد الهمة ويعود الانشغال بمتاع الدنيا وتنمحي الذكريات ولعلي ألخص لنفسي كيف أستعد لزلزال ثانٍ لو حدث لا قدّر الله:

أولاً– لا تقفل باب الدار دون وجود مفاتيح على الباب أو بجانبه فمن الناس من قضى وقتاً يبحث عن المفاتيح والبناء ينهار.

ثانياً– اجعل دوماً كل شيء مهم قريب التناول وفي مكان ثابت مثل الهويات وبعض المال والهواتف لأن إخلاء المنزل سيكون بثواني قليلة ولن يكون هناك وقت لأن تبحث عن الأغراض. 

ثالثاً– السلامة هي الأهم في حال كان البناء بدأ بالتصدع فلا تفكر بأي شيء مادي سوى النجاة فكل شيء يعوّض إلا فقد عزيز أو الوفاة. 

رابعاً– لا ضير من الانخراط في فرق إغاثة أو تجربة ذلك قبل أن تشهد كارثة كالزلزال فإن حدثت كانت لديك خبرة في التصرف وإغاثة من حولك.  

خامساً– نمي عندك مخافة الله والتضرع له بأن يثبتك عند المحن والفتن فهي الاختبار، وأصدق الله السؤال أن يثبت فؤادك، ومن المفيد تتبع أخبار الصالحين الذي ابتلوا وكيف صبروا وحمدوا الله فلعل الله كتب عليك في القدر أن تفقد شيئاً وعند الفقد يجب أن يحضر الإيمان التام بالله وعدم السخط. 

سادساً– تحدث مع أبنائك وأسرتك عن الزلازل والنصائح الشائعة عند حدوثها ولا ضير إن قمت بتجربة ضمن نطاق ضيّق لمحاكاة حدوث الزلزال، وخاصة عند تقاعس الجهات الرسمية عن إقامة تدريبات مشابهة. قد يبدو التدرب على حدوث زلزال مضيعة للوقت ولكن القيام بذلك مرة في السنة قد يقي سوء العاقبة عند حدوث الزلزال المترافق مع الفوضى التي تحدث وتعطّل الدولة لزمن محدد مع اتساع رقعة الكارثة.

سابعاً– لا تعشْ منقطعاً عن جيرانك واحرص على حسن الجوار فلعل زلزالاً يحدث وأنت عالقٌ في دارك لا يدري بك أحد لأن الجيران لا يدرون أنك تسكن جوارهم أساساً. الجار الصالح سيكون لك عوناً وسيتشارك معك الخير.

أخيراً أوصي بمشاهدة فيديوهات للدكتور إياد القنيبي نشرها عن زلزال تركيا وسوريا وكشخص عاش لحظات الزلزال وتبعاته وجدت في كلماته الإيمانية اعتدالاً وتثبيتاً للقلب للرضى عن قضاء الله وقدره، وخاصة أن كثير من الناس يبدأون تأويل الزلزال بأهوائهم وربطها بأحداث أو تشفياً من فئة قليلة ظلمت أو اعتدت ولا يعلمون أن البلاء يعم والله أعلم بحكمة مجريات الأيام. هذه عناوين دروس القنيبي وهي مختصرة وماتعة: 

1-  هل الزلزال ظاهرة طبيعية أم نذير نتيجة الذنوب؟

2-  لم تهونوا على الله

3-  ليس لك عند الله حقوق-درس من إخواننا المبتلَين بالزلزال

ختاماً، هذه التدوينة كانت لسرد سريع لأهوال الزلزال لمن أراد أن يعيش معها جزء بسيط مما عشت. قد يشهد أيّ منا زلزال مشابه وحري به أن يطالع ما أصاب بلد من بلاد المسلمين. لم تكن هذه التدوينة تحليلاً لما جرى ولا لغرض النقد السياسي أو الاجتماعي وما ذكرت كثيراً من محاسن ما حصل من دفع الله الناس بعضهم ببعض ومظاهر التعاضد والتآخي لأنها ستذكر كثيراً وأوجه الخير لن تنتهي من هذه الأمة متجدّدة الخيرية ولكن وددت إبراز المساوئ وأوجه القصور علنا نعتبر مما جرى ونتعلم منها. 

ما رأيك فيما ذُكِر؟ أخبرني عما عايشته في الزلزال وما العظات التي خرجت بها؟

Exit mobile version